عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )
155
كتاب النصيحة ( قابوس نامه )
وثالثها : أن تتمسك بالصبر ؛ لأن كل صفة تتعلق بالمروءة تنضوى تحت هذه الأشياء الثلاثة ، فإذا استعصى عليك الأمر يا بنى فإني أعذرك ، وسأبين هذه الصفات الثلاثة لهؤلاء القوم ودرجة كل واحدة ومقدارها ، لتصير معلومة لك . اعلم يا بنى أن أكثر الناس مروءة هو من كان له عدة فضائل متنوعة ، وذلك « 1 » بأن يكون شجاعا وذا رجولة وصابرا في كل الأمور وصادق الوعد وطاهر العورة وطاهر القلب ، ولا يطلب ضرر أحد لنفعه ، ولكنه يجيز ضرر نفسه من أجل نفع الأصدقاء ، ولا يكون قاسيا على الضعفاء ، ولا يطيل يده على الأسرى ، ويعين المساكين ، ويدفع الشر عن المظلومين ، وكما يقول الصدق يسمى الحق وينصف من نفسه ولا يسئ إلى السفرة التي يكون قد أكل عليها الخبز والملح ، ولا يكافئ الإحسان بالإساءة ، ويرى الرياء عارا ، ولا يضيق بالبلاء ، وإذا أنعمت النظر فإن جميع هذه الفضائل التي ذكرناها تتعلق بهذه الأشياء الثلاثة التي ذكرت من قبل . حكاية [ رقم 1 ] في الحديث أنه ذات يوم كان العيارون جالسين معا في جبل ، فأقبل رجل وسلم وقال : إني رسول إليكم من قبل عيارى المدينة ويقرئونكم السلام ويقولون إن هناك ثلاث مسائل فاسمعوها منى ، وإذا أجبتم عنها فإننا نرضى بتبعيتكم وإن لم تجيبوا فأقروا بسيادتنا ، قالوا هاتها فقال : ما هي المروءة ؟ وما الفرق بين المروءة واللوم ؟ وإذا كان فتى جالسا على قارعة الطريق ويمر عليه رجل وعندما تمضى ساعة يتعقبه رجل بالسيف بقصد قتله ، وحينما يصل الرجل إلى هذا الشاب ويسأله أرأيت أن فلانا مر من هنا ؟ بم يجيبه هذا الشاب ؟ فإذا قال مر يكون غمزا وإذا قال لم يمر يكون قد كذب ، وكلا هذين لا يجوز ، وكلاهما لؤم في المروءة ، فلما سمع عياروا الجبل هذه المسائل نظروا إلى بعضهم البعض ، وكان من بينهم رجل يقال له أبو الفضل الهمداني فقال : أنا أجيب على هذه الأسئلة ، فقالوا : قل حتى نرى ما تقول ، قال : إن أصل المروءة أن تفعل كل ما تقول ، والفرق بين المروءة واللؤم هو الصبر ، وجواب ذلك العيار الذي كان جالسا على الطريق هو أن يجلس في الحال على بعد قدم من تلك الناحية ويقول مذ جلست هنا لم يمر أحد ليكون قد قال الصدق . فإذا عرفت هذا الكلام فإنه يتحقق لك أن ما هو أصل المروءة ، فهذه المروءة التي ذكرتها في العيارين إذا طلبتها من الجنود فجائز ، إذ إنه شرط للجنود أن يكونوا على هذا الرسم أيضا لأن تمام العيارية في الجندية ، ولكن يجب أن يكون الكرم والاستضافة والسخاء وعرفان الحقوق وطهارة الثوب وكثرة التسلح في رجال الجندية أكثر ، أما الدقة في الكلام وحب الذات والخدمة والحياء فإنها فضيلة في الجندية ، وعيب في العيارية .
--> ( 1 ) الترجمة الحرفية : واحدة .